محمد بن خلف بن حيان ( وكيع )
8
أخبار القضاة
الطبقات في ترجمة محمد بن المظفر الحموي : - أنه امتنع عن القضاء فما زالوا به حتى تقلده ، وشرط أن لا يأخذ رزقا ، ولا يقبل شفاعة ، ولا يغير ملبوسه ، فأجيب إلى ذلك . ولكن فقهاءنا وقضاتنا - احتسابا لما عند اللّه - لم تلن قناتهم لهذا العنت وذلك الأذى ، وساروا في قضائهم صابرين لم يراعوا فيما يصدرون ويوردون إلا وجه اللّه عزّ وجل ، مهما كان وراء ذلك من تبعات وأثقال ، وكثيرا ما أجبر الولاة والحكام - مع ما هم عليه من جبروت - على النزول على أحكام القضاة والخضوع لتصرفاتهم . تلك هي أهم العوامل التي دفعت بالعلماء الأولين إلى تتبع أخبار القضاة ، وتدوينها في مجموعات مستقلة ، تروي أخبارهم والمهم من قضاياهم ، وقد سمعنا عن كثير من الكتب التي عرضت لهذا الموضوع : - مثل كتاب أخبار قضاة دمشق للذهبي ، والروض البسام فيمن ولي قضاء الشام لأحمد اللبودي ، وأخبار قضاة بغداد لابن الساعي البغدادي ، وأخبار قضاة البصرة لأبي عبيدة معمر بن المثنى ، وأخبار قضاة قرطبة لخلف بن عبد الملك ، وأخبار القضاة الشعراء لابن الشجري البغدادي ، إلى غير ذلك من الكتب التي تعالج أخبار القضاة في أمصار خاصة ، ولكنها جميعا دون « أخبار القضاة لوكيع » في معالجته لأخبار القضاة - وقد عرض كما قلنا لأخبار القضاة في جميع الأمصار ، وهذا ما حبب إليّ نشر الكتاب خدمة لناحية من نواحي التشريع الإسلامي وقضاياه ، وقد كنت حريصا على نشره من زمن بعد ما استنسخته من مصورة الجامعة المصرية المنقولة عن النسخة الوحيدة الموجودة في الأستانة - كما وصل إلى علمي - ولكن الأحداث العالمية وما جرت في أذيالها من تعويق لكل عمل علمي نافع مثمر حالت دون ما كنت أرجو . وهأنذا اليوم أقدمه للناس راجيا أن يغفر لي القارئ الباحث ما عساه يحس به من نقص خضعت فيه لظروف عدة لا قبل لي بدفعها ، ولم يكن ليتيسر لي معالجة آثارها ، وأهمها أن لم يكن بين يدي حين نقل الكتاب إلا نسخة الجامعة ، وكثيرا ما قاسيت متاعب في تصحيح نقل ، أو إصلاح لفظ ، وكثيرا ما راجعت عشرات من الكتب لتصحيح فرع فقهي ، أو إيضاح رواية أدبية ، أو بيت من الشعر . وقد خضعت في كثير من المواضع للأمر الواقع ، بعد ما ضاقت عليّ السبل ، فأبقيت بعض الألفاظ كما هي - وقد لا يتبين معناها - حرصا على الأمانة العلمية ، خصوصا والهم منصرف إلى نشر الكتاب لينتفع به الباحثون في الشريعة الإسلامية ، وأكبر الظن أن لن يحول دون انتفاعهم شيء من تحريف أو تصحيف . وها هو ذا اليوم بين يدي القراء ، واللّه أرجو أن يكون في المحل النافع ، والسلام .